الطفولة والمراهقة في مواجهة العنف وسوء المعاملة 

تعتبر فترة الطّفولة مرحلة حياتيّة مميزة، فهي أساس التّعلم، الاكتشاف والتّطور. لذلك تعتبر أهم مرحلة من مراحل النّمو في الحياة. لذلك خصّصنا شهر يناير لنتكلم عن الاحتياجات والخصائص النّفسيّة والسّلوكيّة للطّفل على صفحتنا بلادي للدعم النفسي. تطرقنا كذلك إلى مختلف أشكال العنف الممارس على الطّفل وآثاره العاطفيّة، النّفسيّة والسّلوكيّة، بالأخص لدى الطّفل الّذي يتعرّض للاعتقال ويخضع لممارسات وانتهاكات سجنيّة قاسية. 

من هو الطّفل (الطّفلة)؟

الطّفل (الطّفلة) هو كائن يعتمد بشكل كبير على مقدمي الرّعاية بسبب هشاشته الشّديدة. إنّه يحتاج إلى الآخر في كل شيء تقريبًا: لإطعامه، تغيير ملابسه، نظافته، واستيعاب العالم من حوله، حتى أنّه يحتاج إلى الآخر لكي ينام إذ أنه يجد النّوم والرّاحة أفضل عندما نساعده ونقوم باحتوائه وطمأنته. يرى علماء النفس أن مرحلة الطفولة تنتهي مع بداية مرحلة البلوغ والمراهقة، لكن خلال هاتين الفترتين يكون التطور و النمو الجسدي و النفسي في أوجه. بإمكاننا اليوم التحدث عن امتداد المراهقة إلى فترة العشرينات حسب الدراسات الأخيرة. من النّاحية القانونيّة، مرحلة الطّفولة تمتد حتى سن الثّامنة عشر، وذلك بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطّفل.

هل يعتبر الطّفل (الطّفلة) شخصاّ؟

 “الطّفل، هو أيضا شخص” كما تقول طبيبة الأطفال والمحللة النفسية فرونسواز دولتو، فمن المهم جدا التّواصل مع الطّفل (الطّفلة)، وتلبية وتحفيز احتياجاته العاطفيّة، بداية من ولادته. 

خلال السّاعات الأولى من قدوم الطّفل (الطّفلة) إلى العالم، يكون هذا الكائن الصّغير قادراً على تصوُّر محيطه والتّفاعل معه.

يعتقد الكثير أن تلبية الاحتياجات الفيزيولوجيّة للطّفل(للطّفلة) مثل النّوم والأكل، يكون كافيا. لكن للطّفل احتياجات مهمة مثل تكوين علاقات عاطفيّة، وخلق روابط مع القريبين منه، لذلك يحتاج الطّفل (الطّفلة) مهارات وقدرات أساسيّة 

 أولاً: الوعي الذّاتيّ، أي عندما يستوعب الطّفل (الطّفلة) أنّه كائن مستقل عن محيطه. 

ثانياً: القدرة على التّعاطف وفهم الحالة العقليّة لشخصٍ آخر. 

 ثالثاً: القدرة على التّحكم في النّفس وفي ردود الفعل.

 وذلك للنّمو والتّطور النّفسيّ والاجتماعيّ وتكوين علاقات متوازنة في محيطه. 

حقوق الطّفل 

تمثل حقوق الطّفل ضمانة أساسيّة لجميع البشر. فحقوق الطّفل (الطّفلة) شأنها شأن حقوق الإنسان بوجه عام،  حسب اتفاقيّة الأمم المتحدة لحقوق الطّفل، وتتألّف من ضمانات أساسيّة وحقوق إنسانيّة، من أهمّها:

  • الحقّ في الحياة، ومبدأ عدم التّمييز، والحقّ في الكرامة من خلال حماية السّلامة البدنيّة والنّفسيّة (الحماية من الرّق والتّعذيب وسوء المعاملة، وما إلى ذلك).
  • حقوق الطّفل (الطّفلة) هي حقوق مدنيّة وسياسيّة، مثل الحق في الهويّة، والحق في الجنسيّة، وما إلى ذلك.
  • حقوق الطّفل (الطّفلة) هي حقوق اقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة، مثل الحق في التّعليم، والحق في مستوى معيشي لائق، والحق في التّمتع بأفضل حالة صحيّة ممكنة.
  • تشمل حقوق الطّفل (الطّفلة) كذلك، الحقوق الفرديّة مثل: الحق في العيش مع الوالدين، الحق في التّعليم والحق في الحماية.
  • تشمل حقوق الطّفل (الطّفلة) الحقوق الجماعيّة مثل: حقوق الأطفال اللاجئين/ات، وحقوق الأطفال الحاملين/ات لإعاقة.

انتهاكات حقوق الطّفل (الطّفلة)

بالرغم من مكانة الطّفل (الطّفلة) الهامّة في كل المجتمعات، إلا أنّنا نشهد عدّة انتهاكات في حقّه كإنسان، مثل التّعرّض للعنف. تعرّف اتفاقيّة الأمم المتحدة لحقوق الطّفل العنف بأنّه: “أيّ شكل من أشكال الأذى الجسديّ أو النفسيّ، أو الإهمال وسوء المعاملة، أو أيّ نوع من الاستغلال (الاقتصاديّ، الجنسيّ…)”.

أمّا بالنسبة لمنظّمة الصحة العالمية، “العنف هو استعمال للقوّة الجسديّة عن سبق إصرار ضدّ الأطفال، بالتّهديد أو بالفعل من طرف فردٍ أو مجموعة من الأفراد، مما يتسبب في ضرر بصحة الطّفل (الطّفلة)، وتطوره ونموّه النّفسيّ، وأحيانا تكون حياة الطّفل (الطّفلة) مهددة بالأساس”.

العنف المسلّط على الطّفل (الطّفلة) يتمثّل في عدّة أنواع: عنف جسديّ، عنف لفظيّ، عنف عاطفيّ ونفسيّ، عنف جنسيّ… 

يمكن أن يؤدي التّعرّض للعنف في سن مبكّرة إلى تعطيل نمو الدّماغ، وإلحاق الضّرر بأجزاء أخرى من الجهاز العصبيّ مع مخلّفات أخرى تستمر مدى الحياة. على سبيل المثال يمكن أن يؤثر العنف ضد الأطفال على النّمو المعرفيّ والنّفسيّ، ويخلق اضطرابات نفسيّة مثل اضطرابات القلق والاكتئاب. كما يؤثر التّعرّض للعنف على سلوك الطّفل (الطّفلة) أيضا، والذي بدوره يمكن أن يمارس العنف على الآخرين أو أن يؤذي نفسه… بالإمكان الاطلاع على ما نشرناه في هذا الموضوع خلال شهر يناير على صفحتنا بلادي للدعم النفسي.

الطّفل (الطّفلة) ضحية العنف السّياسيّ 

بالرغم من كل المجهودات للتنديد و القضاء على مظاهر العنف ضد الأطفال، إلاّ أنه و في بعض الدول ذات الأنظمة القمعية، لا يزال الأطفال يعانون من الإساءات والانتهاكات في حقهم، مثل التعرض للاعتقال تحت مظلة الاتهامات السياسية أو الجنائية.  

خلال الطّفولة والمراهقة يوجد ما يسمّى بـ”المراحل الحرجة للنمو”، وهي الفترات الّتي يحتاج فيها كل من الدّماغ، الحواس والجسم إلى المحفّزات والموارد اللازمة والمناسبة للتطوّر والنّمو بشكلٍ سليم. فعندما يتم عزل وحبس أشخاص في مرحلة طفولتهم/هن وخلال هذه “الفترات الحرجة للنمو”، ينعكس ذلك سلباً على التّوازن والنّمو النّفسيّ، المعرفيّ والسّلوكيّ. ففي السّجن يُحرم الأطفال من حقهم/هن في التّعليم والرّعاية المناسبين لسنهم/هن، ولا يتمتعون/عن بأبسط حقوقهم/هن كالأكل والنّوم في ظروف كريمة، ناهيك عن حقهم/هن في النّمو بين والديهم/هن واخوتهم/هن ووسط أبسط مقومات الدفء العائليّ.

يتعرّض الأطفال للإساءة من طرف رجال الأمن من جهة، والبالغين/ات المحتجزين/ات معهم/هن في أماكن الاحتجاز من جهةٍ أخرى، حيث يتم إيقافهم/هن واحتجازهم/هن مع راشدين/ات متهمين/ات بجرائم مختلفة، مما يعرّض هؤلاء الأطفال للخطر، كما يشهدون/دن تفاصيل صادمة وغير مناسبة لسنهم/هن، من انتهاكات واعتداءات غير إنسانيّة في حقهم/هن وحق غيرهم/هن. وبالإمكان ظهور أعراض “اضطراب ما بعد الصّدمة” أو “اضطراب ما بعد الصّدمة المعقد” لدى الأطفال المعتقلين/ات أو النّاجين/ات من السّجون، وذلك نتيجة تكرار الانتهاكات والتّعرّض المتكرر والمستمر للصّدمات والضّغط داخل السّجن. قمنا بتلخيص بعض من شهادات السّجناء/ات السّابقين/ات في هذا الفيديو على صفحة بلادي للدعم النفسي، بغاية وصف بعض الانتهاكات الّتي يتعرّض لها الأطفال في مراكز الاحتجاز وداخل السّجون.

الصّحة النّفسيّة للطّفل (للطّفلة) في ظل الاعتقالات والانتهاكات السّياسيّة 

يتم اعتقال العديد من الأطفال والمراهقين/ات واخفائهم/هن قسريّاً لعدّة أيام وأحيانا لأشهر وسنوات. يعتبر هذا الاختطاف نوعاً من أنواع التّعذيب، حيث يتم تسليم الأطفال وأهاليهم/هن إلى المجهول، لا يعرفون مكانهم/هن ولا مصيرهم/هن، ولا متى ينتهي هذا التّعذيب النّفسيّ، بالاضافة إلى التّعذيب الجسديّ وانتهاك الحرمة الجسديّة لطفلٍ قاصر من أجل استنطاقه حول تهمة لم ت/يرتكبها. تجربة صادمة مماثلة تتسبب في ظهور علامات وردود أفعال نفسيّة وجسديّة شديدة خاصّة عند الأطفال والمراهقين/ات.

تتمثّل المخلّفات الجسديّة في التهابات الصّدر والسّعال الشديد، الحمى، انقطاع الطّمث عند الفتيات، الطّفح والالتهابات الجلديّة بسبب اتساخ مكان الحجز أو السّجن وضيق المكان واكتظاظه بالسّجناء/ات الأخرين/ات.

تظهر كذلك أعراض واضطرابات عاطفيّة، معرفيّة وسلوكيّة مرتبطة باضطرابات نفسيّة مثل الاكتئاب، ومن علاماته عند الأطفال والمراهقين/ات العدوانيّة ونوبات الغضب العنيفة تجاه الآخرين، فرط النّشاط، العزلة، فقدان الاهتمام بهواياتهم/هن وأنشطتهم/هن المفضّلة، مزاج حزين ومكتئب، سوء التّقدير للذّات، الأفكار الانتحاريّة…

يمكن أن يعاني الطّفل من اضطرابات القلق على شكل آلام في البطن، اضطرابات في الهضم، الشّعور بالإرهاق، البكاء المستمر، نوبات الغضب واضطرابات في النّوم…

يعتبر “اضطراب ما بعد الصدمة” الأكثر انتشارا بين النّاجين/ات من السّجون ومن التّعذيب، ويتمثّل في اضطرابات عاطفيّة، سلوكيّة ومعرفيّة لدى الأطفال والمراهقين/ات، مثل الذّكريات والأفكار الدّخيلة المتزامنة مع صوت، صورة أو مكان مرتبط بالحدث الصّادم، ويعاد استنساخ هذه التّجربة الأليمة في الوقت الحاضر. يمكن كذلك اعادة إحياء الصّدمة من خلال التّفكير المستمر في الأحداث أو إعادة تجسيدها خلال اللعب بالنّسبة للأطفال. هذه الأعراض تكون مصحوبة بصعوبات في التّركيز أو الانتباه، تأهب مستمر للخطر، وردود فعل جسمانيّة مبالغ فيها، بالاضافة إلى مشاعر الذّنب والعجز بسبب عدم القدرة على الدّفاع عن النّفس في مكان الحجز أو السّجن.

في الكثير من الحالات، يعاني الأطفال والمراهقون/ات من “التّبلّد العاطفيّ” وهو ما يعرف بانعدام القدرة على الإحساس بمشاعر إيجابيّة أو سلبيّة، ويتمثّل في الإحساس بعدم الارتباط بالمحيط أو انخفاض التّجاوب العاطفيّ. يمكن أن يظهر هذا العارض لدى المصابين/ات باضطرابات اكتئابيّة، ذهانيّة، أو اضطراب ما بعد الصّدمة.

العلاج النّفسيّ الموجّه للطّفل (للطّفلة) و المراهق/ة 

يوجد العديد من التّقنيات والعلاجات النّفسيّة الّتي نستخدمها عند التّعامل مع الطّفل (الطّفلة) أو المراهق/ة، من أبرزها:

  • العلاجات النّفسيّة المعرفيّة والسّلوكية-المعرفيّة.

تركز العلاجات النّفسيّة المعرفيّة على اضطرابات النّمو في مسار التّعلم، وتكوين أنماط التّفكير. وفقًا للنّظريّات السّلوكيّة والتّعلّميّة، فإن الاضطرابات هي نتيجة للسّلوكيّات المكتسبة أو ردود الفعل لأنماط الفكر. الهدف من هذا العلاج هو أن يتعرّف الطّفل (الطّفلة) أو المراهق/ة على مشاعره/ا وت/يعرّفها وت/يعبر عنها بكلماتٍ مناسبة، وأن ت/يغير أفكاره/ا السّلبية والمشوّهة عن نفسه/ا وعن الآخرين/ات وعن بيئته/ا، وكذلك لتحسين مهاراته/ا الاجتماعيّة والتّواصليّة.  

يمكن استخدام هذا العلاج عند الأطفال الّذين/اللواتي يعانون/تعانين من أعراض اضطرابات الاكتئاب أو القلق.

  • العلاج السلوكي الجدليّ

 وهو نوع من تقنيات العلاج السلوكي المعرفي. تستخدم هذه التقنية مع الأطفال و المراهقين/ات الذين/اللواتي يعانون/تعانين من مشاكل متعددة على المستوى العاطفي والسلوكي، حيث يصعب عليهم/ن التحكم في ردود الأفعال، الأفكار والمشاعر السلبية التي تنتابهم/ن، و يميلون/تملن إلى السلوكيات الانتحارية و سلوكيات إيذاء الذات. الهدف من هذا العلاج هو اكتساب مهارات مثل التحكم في السلوك والعواطف، و تقبل المواقف السلبية كجزء من الواقع، و ما ينجر عنها من مشاعر و أفكار.

  • العلاج النّفسيّ للصّدمات 

يوجد عدّة تقنيات علاجيّة موجّهة بالأساس لمعالجة “اضطراب ما بعد الصّدمة”. يهدف العلاج النّفسيّ للصّدمات إلى استكشاف تجارب الطّفل (الطّفلة) المؤلمة تدريجيّاً. يتم استعادتها أو اعادة الخوض في ذكرياتها، ولكن في بيئة آمنة و خاضعة للرّقابة.

  • العلاج النّفسيّ الدّيناميكيّ الفرديّ

يمكن استخدام هذا العلاج مع الأطفال الّذين/اللواتي يعانون/تعانين من اضطرابات القلق أو الاكتئاب. يسمح المعالج/ة للطّفل (الطّفلة) بالتّعبير وإيصال تجاربه الدّاخليّة، ويأخذ في الاعتبار بشدّة جميع المعطيات والتّجارب الحياتيّة والسّمات الشّخصيّة الّتي تجعل هذا الطّفل (الطّفلة) متفرداً على وجه الخصوص.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

×

Hello!

Click one of our contacts below to chat on WhatsApp

×